جيرار جهامي

مقدمة 17

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

السلوك . فلا تعود النفس غريبة عن ذاتها ، سائحة في عالم العقول المفارقة ، إنما تصبح سيدة أفعالها في ضوء ما عاشته من تجارب وشعور بالذات ، وعايشته من كشف للحقائق . أو لم تكن هذه غاية قصص ورسائل ابن سينا الفلسفية - الرمزية ، حيث حاول فتح ما انغلق على النفس لتوجيهها نحو طريق الحق بواسطة الحكمة التأمّلية ؟ أو لم يحاول أن يكشف لنا عن إمكاناتها الفاعلة لتعود إلى صفائها فتتّصل بعالمها واثقة من ذاتها ؟ إن النفس السينوية تعيش تجربة حقيقتها ، ولا تكتفي بأن تبرهنها حسّا أو تجريدا ، أو انطباعا لصور فوقية تنثال عليها ، فهي تنتقل من عالم البرهان إلى عالم الشهادة . وهذا ما يفسّر توقها إلى إدراك الحق بعد ما استهدت إلى طريق مرشدها « حي بن يقظان » . فالنفس إذا ما تحرّرت من شواغل البدن ، تبصر ما لا يدرك بالعين المجرّدة ، وتمسي سيدة معارفها وأفعالها بالإرادة والرياضة حيث تبدأ بالظهور خلسات من نور الحق إلى أن يشمل الحق كل مرئي . بذلك يكون ابن سينا قد حرّر النفس من داخلها ، وجعل أناها محور كل علم بعيدا عن مجالي الظن والتيه ؛ فحوّل تاليا أسس المعرفة الخارجية إلى معرفة باطنية وتبيانية معا . استكمل إذا الشيخ الرئيس حلقة المعارف العقلية والحدسية بالعرفان ، الذي يقابله التصرّف العقلاني عنده . فالوصول الفلسفي إلى الحقيقة لا يتمّ بواسطة المعرفة بمعناها الارتقائي فحسب ( عقل هيولاني ، عقل بالملكة ، عقل بالفعل ، عقل مستفاد ) ، إنما بنتاج حدس ماورائي للحقيقة القصوى والحق الأول بواسطة العقل القدسي . وبهذا التدرّج تتضايف أنواع المعرفة وتتكامل بارتقاء النفس من المعرفة إلى العرفان . فإذا كان العالم يصل إلى علمه بإحاطة المعلوم على ما هو به ، فالعارف ينطلق من كمال قوته النظرية ، متجاوزا العلوم الوصفية والبرهانية ، « مريدا الحق الأول لذاته لا لشيء غيره » . وهذا النمط من الحقائق الذي تعيشه النفس متيقّنة ، يضاهي حالة الثقة التي كان العقل الفعّال قد أورثها إياه عن طريق الفيض . وكأن معاني الحكمة تنهمر على هذا العارف الذي لا يجد سعادته الحقيقية سوى ضمن إطار من التأمّل والتعقّل .